كشف الحقائق في علم العقائد (الجزء الثاني)

2016/10/03

كشف الحقائق في علم العقائد
الجزء الثاني
بعد أن علمنا ما تقدم يجدر بنا الوقوف عند قوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195)[الشعراء: 193 - 195] وقوله: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ[الزمر: 28] إذن نزل القرآن بأسلوب عربيٍ رصين احتوى على أسلوبي الحقيقة والمجاز وأسلوبي الإنشاء والخبر، فجميع الآيات المحكمة حقيقة وتغلب عليها عبارات الإنشاء، أما الآيات المتشابهة فجميعها مجاز وتغلب عليها عبارات الإخبار.
والمجاز من اللفظ هو ما احتمل أكثر من معنى، ويتم فيه العدول عن المعنى الظاهر الراجح إلى المعنى غير الظاهر المرجوح لقرينة لفظية ودلالة قطعية عقلية، وبهذا فالمجاز يلتقي مع نوع غالب من أنواع المتشابه وهو الذي يؤول إلى محكم مضاف بعد تأويله في ضوء المحكمات، فهذا النوع من المتشابه هنا هو اللفظ الذي يحتمل أكثر من معنى، ثم يصرفه الراسخ في العلم إلى معنى منها بعينه بعد عرضه على المحكم وهو تأويله له فيصبح بذلك محكمًا مضافًا، أما النوع الثاني من المتشابه مما استأثر الله بعلمه فهو المتشابه الخفي، فهذا لا يجوز الخوض فيه بحال بل يحرم تأويله ويجب تفويضه. وبهذا السرد تصبح العلاقة وطيدة في القرآن الكريم بين المجاز والمتشابه والخبر، كما تصبح وطيدة كذلك بين الحقيقة والمحكم والإنشاء.
وإلى اشتمال الصيغ اللفظية في القرآن الكريم على كل من الحقيقة والمجاز ذهب جمهور أهل العلم ولم يشذ منهم إلا القليل ، فقد شذ منهم وأنكر وجود المجاز في القرآن كل من: ابن خويز منداد من المالكية، وأبي إسحاق الإسفراييني من الشافعية، وابن حامد، وابن تيمية الحراني من الحنابلة، والحق ليس معهم لأن القرآن الكريم ينص على وجود المتشابه فيه، وقد رأينا التقاء المتشابه في الدلالة مع المجاز، اللذين يدلان على أكثر من معنى، بعضها ظاهر وبعضها باطن، ويفسران ويؤولان على خلاف الظاهر والراجح وفقًا لقواعد اللغة بقياس القرائن اللفظية، ووفقًا لقواعد التنزيه المحكمة بقياس القرائن العقلية، ويعدل بهما إلى المعنى المرجوح.
والآيات المحكمات خمسمائة آية يعرف ظاهرها جميع الناس، ويدرك تفاصيلها أهل العلم الظاهر؛ لأنها مخاضهم، فهم يعلمون ناسخها من منسوخها، ومجملها من مفصلها، ومقيدها من مطلقها، وخاصها من عامها، ولقد خاضوا غمارها فبينوها أيما بيان بحيث لم يذروا لمن يأتي بعدهم سبيلاً إلا لما أعوزتهم إليه الحاجة وطلبه أسلوب الخطاب، فكانت لهم بمثابة القواعد الثابتة في تحرير المناط وما في معناه لما تتطلبه النوازل في كل عصر ومصر.
أما المتشابه فهو مخاض أهل الحقيقة فقد خاضوا في تأويله لما أحوجتهم إليه الضرورة القصوى بحسب ماصح في لغة العرب مفوضين حقيقة تأويلهم لله سبحانه. مؤيدين في سلوكهم منهج التفويض بالقراءة الثانية التي صحت عن ابن عباس عليه السلام وتلقفها عنه عدد من القراء بالوقف على الراسخين في العلم واعتبار الواو واو عطف على لفظ الجلالة، وقد أعلمونا رحمهم الله بأن التأويل يكون واجباً أحياناً، وأحياناً يكون جائزًا، وأحياناً يمتنع، مستدلين بآيات وآثار فيما ذهبوا إليه. وسنقدم هنا أمثلة لكل نوع من أنواع التأويل زيادة في الإيضاح.
أولًا: التأويل الواجب:
وهو أن يأتي اللفظ الذاتي الخبري في سياق يوجب التأويل، ويكون في مثل قول الحق سبحانه: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ[المائدة: 116] فقد بين لنا الحق سبحانه معنى النفس والمقصود منها في عجز الآية: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ فوجب تأويل النفس بالغيب على معنى تعلم ما في غيبي ولا أعلم ما في غيبك، وقد أجمع أهل العلم على حرمة إثبات ما لم يثبته الله لنفسه، فالله سبحانه ليس من قبيل النفس المنفوسة ولا الروح المروحة وإنما ذاته موجودة مطلقة وهي غيب محض لا يبلغ بالغ شأوها ولا عاقل كنهها، فأحرى بنا أن لا نثبتها نفسًا حيث جاءت الآية بأسلوب الخبر ولم تأت بأسلوب الإنشاء والطلب، يؤيد ذلك قوله سبحانه في الآية المحكمة : ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾[آل عمران: 185] فحاشا الحق أن يزهق نفسه على اعتبار أن هناك من أثبت أن لله نفساً تليق بجلاله.
وكذلك يجب التأويل في مثل الآيات الخبرية ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾[القمر: 14] ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: 39] وقوله سبحانه: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾[الذاريات: 47] وقوله: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾[الفتح: 10] لحكم سياق ورودها بذلك، فهذه الآيات وأمثالها من المتشابه الذي يجب تأويله لاجتماع القرائن اللفظية والعقلية المحكمة على إيجاب ذلك، فالمعنى يعود إلى صفات المعاني الحاكمة والمؤثرة في العوالم وليس إلى أوصاف الذات، فذاته سبحانه لا توصف وإنما تقوم بها صفات المعنى وهي كمال من كل وجه ومقامها مقام إطلاق، فالمعنى في هذه الآيات: تجري بحفظنا، ولتصنع برعايتنا، والسماء بنيناها بقدرتنا الكاملة المطلقة، وقوة الله فوق قوتهم تؤيدهم وتنصرهم، ومثله قوله تعالى: ﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾[الزمر: 56]  أي حقه وأمره ، وقوله: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل: 20] أي: نيل رحمته وثوابه، وهو مقام تجلي المولى سبحانه بكمال ربوبيته، ومنه قوله سبحانه: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾[القصص: 88] فلو كانت تلك الأخبار صفات فهل لصفاته أن تفنى كما هو ظاهر الآية المتقدمه حاشا أن تكون لله صفات تفنى فصفات الحق قائمة بذاته لا تفنى ولا تبيد.
إذن القول بأن تلك الأخبار أوصاف أثبتها الله لنفسه مصادرة للنص وحزٌ في غير مفصله وإنما هي تجليات ومظاهر أسمائه وصفاته فقط.
ومن المواطن التي يجب فيها التأويل كذلك أن يأتي اللفظ الذاتي الخبري على صورة مشاكلة لفظية كما في قوله تعالى مشاكلة: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾[النساء: 142] وقوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾[آل عمران: 54] وقوله: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾[التوبة: 79] وقوله: "وإن أتاني يمشي أتيته هرولة"([1])، فهذه وأمثالها مشاكلة لفظية هي في حق البشر حقيقة وفي حق المولى سبحانه مجاز وكناية عن دفع المكر ورد الكيد والخداع وإبطال الصنع والمبالغة في المثوبة وهكذا..
وأما التأويل الجائز وهو ما يجوز التأويل فيه والتفويض:
فمنه قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾[طه: 5] فقد ورد الاستواء بحسب حروف التعدية على خمسة عشر معنى، فيجوز صرف الاستواء إلى معنى منها بعينه إذا حكم به السياق، كعموم الملك أو العلو المطلق بلا جهة ولا حد ولا مقابلة، كما يجوز تفويض لفظ الاستواء كما أثر عن كثير من علماء القرون والأولى في مقدمتهم الإمام مالك بن أنس في قوله: "الاستواء معلوم والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه أي عن حقيقته بدعة" وقول ابن عيينة: استوى كما أخبر لا كاستواء البشر، مع اعتقاد أن ظاهر لفظ الاستواء وفق المعهود في الشاهد من الاستقرار والجلوس غير مراد.
وكذلك قوله تعالى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾[ص: 75] حيث جعل الله سبحانه ذكر اليدين أمارة للتفضيل فقد أحجم غير واحد من السلف عن تأويل اليد هنا لهذا السبب وفوضها مع اعتقاد أنها ليست بجارحة وأن المعنى المعهود منها في الشاهد غير مراد وإنما تفسيرها قراءتها، بينما أولها بعضهم بالخلق المباشر دون واسطة وهكذا.
ومثله قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 27] فالوجه كناية عن الذات بقرينة "ذو الجلال"، وقد أوله البخاري بالملك، وبعضهم فوض فيه مع اعتقاد أن الوجه المعهود من كونه جزءًا من ذات غير مراد.
  أما ما يمنتع فيه التأويل ويجب تفويضه وإمراره كما جاء:
فهو المتشابه الخفي وهو ما قال بشأنه ابن عيينه وأمثاله من كبار علماء السلف: أمروها دون تفسير وأن تفسيرها قراءتها، فمثاله: فواتح السور مثل: كهيعص ونحوها، ومسائل الغيوب كعلم الساعة وغيرها.
إذن نخلص من هذه المسأله بأن مذهب الأشاعرة والماتريدية هو مذهب أهل الحق من صحابة وتابعين وتابعي التابعين ومن محدثين وفقهاء من سلف وخلف، ومن خالفهم فقد زاغ كما قال الحق سبحانه في الآية المحكمة الإنشائية: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾[آل عمران: 85] والمخالف لهم خارجي من الخوارج الذين عناهم الله سبحانه بقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾[آل عمران: 7] وقوله سبحانه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾[المائدة: 41].
كما يعلم من ذلك أن من أنزل المتشابه منزلة المحكم فقد كذب على الله ورسوله وبالأخص في الآيات الإخبارية لأن الخبر يحتمل الصدق والكذب وآيات الله كلها صدق ولكن الكذب فيمن أخطأ في إثباتها على ظاهرها وفق المعهود في الشاهد ولو مع نفي الكيفية، فنفي الكيفية مع إثباتها حقيقة على ظاهرها إثبات لكنهها ، ومخالفة لمحكم القرآن من كون الحق سبحانه ليس كمثله شيء ولا تلحق ذاته العلية أوصاف فضلًا عن أوصاف الشاهد والحدث.
كما يعلم أن الصدق في الآيات الإخبارية يجري على منهجين: إما تفويضها وإما تأويلها بحملها على المحكمات القطعية الإنشائية.
وليس بينهما منهج ثالث سوى التجسيم والتشبيه أعاذنا الله وكل مخلص غيور على العقيدة من مضلات الهوى.
 

([1]) صحيح البخاري (9/ 121/ 7405).

Powered By smart vision

© 2015 Eesa Bin Almanee . All rights reserved.

Back to top