كشف الحقائق في علم العقائد (الجزء الأول)

2016/09/26

كشف الحقائق في علم العقائد
(الجزء الأول)

مذهب الأشاعرة والماتريدية هما مذهبا أهل السنة الكلامي بلا منازع فقد دافعا عن عقيدة سلف الأمة وأصحاب الحديث بصنعة الكلام حتى وصف الأشاعرة بكتب الأقدمين بمتكلمة أهل الحديث.
وقد استمدا تأصيل الصنعة الكلامية في الدفاع عن العقيدة من الكتاب والسنة كما بين ذلك الإمام أبو الحسن الأشعري في رسالته الثمينة "استحسان الخوض في علم الكلام" وهو علم الجدل المحمود الذي دعا إليه القرآن لصيانة العقيدة بقوله: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾[العنكبوت: 46]، وقد كرس النبي صهذا المنهج بمناقشته وفد نصارى نجران وسواهم من وفود اليهود ومشركي العرب.
إذن فالأشاعرة والماتريدية قرروا المذهب العقدي لرسول الله صولأصحابه وللتابعين وتابعيهم، ضمن قواعد وقوالب عقلية متقنة، ومذهبهما مذهب عموم المحدثين والفقهاء والأصوليين الذين وصلنا عنهم النقل ولا يكاد يخلو منهم أشعري ولا ماتريدي إلا من شذ، وهم قلة قليلة في كل عصر كأمثال ابن خزيمة وابن حامد الحنبلي من الفقهاء، والعكبري وابن منده من المحدثين المتقدمين، وابن الزاغوني وابن تيمية من المتأخرين، فهؤلاء لا يؤبه لهم لما في كلامهم من المخالفة الصريحة للأصلين الكتاب والسنة وللغة العرب.
ولكن الأشاعرة والماتريدية اختلفوا في أسلوب الخطاب فقط بما يتطلبه فقه الواقع، فالتأصيل في مذهب الاعتقاد قائم على ركني التفويض والتأويل اللذين عليهما نص عليهما الكتاب وأوضحتهما السنة المطهرة بحسب متطلب فقه الواقع وهذا قد علمنا إياه رسول الله حين أفتى بالمرجوح وطرح الراجح لأن فقه الواقع يتطلب المرجوح لا الراجح، كما في حديثعائشة، قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لولا حداثة عهد قومك بالكفر لنقضت الكعبة، ولجعلتها على أساس إبراهيم، فإن قريشا حين بنت البيت استقصرت، ولجعلت لها خلفا»([1])وذلك منه صمراعاة للحالة الذهنية للمخاطب، فقد كان التفويض في القرون الثلاثة مقدما على التأويل، لصفاء أذهان أهل القرون الأولى وعدم اختلاطها بهرطقات وشبه الأديان والمذاهب الفلسفية الأخرى ولنقاوة لسانهم العربي، دون ترك التأويل أو الحكم عليه بالخطأ، فكيف يخطئونه وهو أصل من أصول فهم خطاب التشريع كما في دعاء النبي صلابن عباس "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل"([2]).
فالتأويل هو نوع دقيق في فهم وتفسير نصوص التشريع، لذلك خرجت من مدرسة الصحابي الجليل عبدالله بن عباس أولى بوارق التأويل وشعت من مدرسته وجرت على ألسن تلامذته كمجاهد بن جبر وسواه، حيث تحقق دعاء النبي صفيه، فأوتي من دقيق التفسير ما لم يؤته سواه من الصحابة، فعندما سئل عن معنى قوله تعالى:﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾[القلم: 42]، أجاب بقوله: (يكشف عن كرب وشدة)، وأجاب عن معنى قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾[البقرة: 255] أن المقصود :(كرسي علمه).
وإنما غلب التفويض على التأويل في القرون الأولى لأن داعية فقه الواقع يتطلبه لتمكن المجتمع من اللغة، وقربه من التنزيل دون تجاهل التأويل، والعكس في عهد الخلف فكانت داعية التأويل يتطلبها فقه الواقع فقدم المرجوح وأخر الراجح. وذلك لفساد اللسان العربي وشيوع آفتي التشبيه والتجسيم، وكثرة الشبه الواردة على العقيدة، فكان إظهار التأويل الذي أخفاه التفويض هو المتطلب، مراعاةً لأذهان المخاطبين.
وخلاصة القول أن مذهب السلف (القرون الثلاثة الفاضلة) تفويض في تأويل، ومذهب الخلف تأويل في تفويض. ومن شذ فقد ضل. 
وأما عن الخلاف بين الأشاعرة والماتريدية فخلاف لفظي لا يتعدى بضعًا وأربعين مسألة في أسلوب الخطاب فقط، لاختلاف مجتمع ما وراء النهر حيث انتشار الماتريدية عن مجتمع العراق مكان انتشار الأشعرية وهذا أمر طبيعي.
إذن نرجع الآن للتدليل على ما قلناه، فقد أورد القرآن آيات كثيرة في ذلك منها هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾[آل عمران: 7]، فالقرآن يحتوي على محكم ومتشابه، والمحكم خمسمائة آية هي أصل الكتاب، وجميعها عبارات إنشائية، وباقي القرآن متشابه، وعباراته إخبارية، وقد حذر القرآن من إنزال العبارات الإنشائية منزلة العبارات الخبرية، وكذلك حذر من إنزال العبارات الخبرية منزلة العبارات الإنشائية، لأنه يخالف اللغة من جهة، ويخالف الأمر الإلهي في القرآن، ومن خالف فقد اقترف جرماً عظيماً ووقع في الفتنة التي حذر الله منها.
وكلًا من التفويض والتأويل يرد علمهما إلى الله سبحانه، وهذا هو مذهب أهل الحق. أما من ادعى أن مذهب التفويض تجهيل، وأن مذهب التأويل تعطيل، فقد جهل حقيقة كل منهما، واستبدل التفويض بالتجسيم، والتأويل بالتشبيه، وافترى على نصوص الكتاب والسنة، ونسب إلى الأمة فرية عظيمة، وهذا القول منسوب لابن تيمية الحراني، وقوله هذا يرده الكتاب والسنة الصحيحة، فكيف يكون التفويض تجهيلًا والله سبحانه أمرنا بترك الخوض في المتشابه، ونسب الخائضين فيه إلى الزيغ بقوله : ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ وقوله بعد ذلك : ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ حيث الوقف على لفظ الجلالة وقف لازم عند معظم القراء، ويحمل عليه وجوب الامتناع عن الخوض في تأويل ما استأثر الله بعلمه من المتشابه الذي لا يؤول إلى محكم مضاف، ثم كيف يكون التفويض تجهيلًا ونحن نفوض معنى اللفظ الذاتي المضاف إلى الحق سبحانه مجردًا عن السياق وننفي متعلقاته في الشاهد، دون تفويض المعنى من خلال السياق؟ فالمعنى من خلال السياق واضح تمام الوضوح وهو يعود إلى صفة من صفات المعاني الحاكمة، كما في قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾[المائدة: 64]، فلفظ اليد المضاف إلى الذات مجردًا عن سياقه يفوض معناه مع نفي الظاهر المتبادر للذهن عن اليد، أما المعنى من خلال السياق فواضح معلوم حيث يشير بسط اليد إلى بلوغ الغاية في الكرم والغنى وفق دلالة القرائن اللفظية، فأي تجهيل في هذا؟؟؟ ثم أي تعطيل في التأويل ونحن نعيد اللفظ الذاتي إلى صفة من صفات المعاني كما في قوله تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾[هود: 37] أي: بحفظنا، فالله حفيظ، فهل إثبات الحفظ لله تعطيل أو إثبات؟؟؟ بل إنه عين الإثبات القائم على قواعد التقديس والتنزيه المحكمة بعيدًا عن آفات التجسيم والتشبيه. ثم إن الخوض في التأويل قائم على قاعدة أن الراسخ في العلم يعلم تأويل المتشابه برده إلى المحكم وحمله عليه، إذ قرابة نصف القراء كما يذكر الراغب الأصفهاني في المفردات يعتبرون أن الوقف على لفظ الجلالة في قوله تعالى : ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾[آل عمران: 7]، ليس لازما وأن الواو في ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ للعطف وليست للابتداء، وعليه فالراسخون ممن يعلمون تأويل المتشابه، وهو نوع من المتشابه المحتمل لأكثر من معنى يمكن رده إلى المحكم وتفسيره به ليؤول إلى محكم مضاف وليس متشابها مما استأثر الله بعلمه، ينقل القرطبي عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾  [آل عمران: 7]  يقول: (أنا ممن يعلم تأويله) لرسوخه في العلم، وقطعًا يعني به المتشابه الذي يمكن رده إلى المحكم وليس ما استأثر الله بعلمه، والألفاظ الذاتية من النوع الأول الذي إذا رد إلى المحكم أصبح محكمًا مضافًا أمكن تأويله وليس من النوع الثاني.
والآن نعرض أقوال الأشاعرة والماتريدية على الأصلين لمعرفة مدى صحة ما ذهبنا إليه، وقبل الدخول في ذلك لابد من وضع مسلمات مهمة كقواعد توطيئية اتفق عليها الأشاعرة والماتريدية، منها: أن الله ينعت ولا يوصف، وأن تفسير الأخبار الإضافية من المتشابه إمرارها كما جاءت، مع اعتقاد أن الظاهر المتبادر منها غير مراد، أو تأويلها بما تقتضيه لغة العرب وتفويض معناها إلى الله بقولهم والله أعلم بمراده.

 


([1]) صحيح مسلم (2/ 968/ 1333).

([2]) أخرجه أحمد (5/ 65/ 2879) واللفظ له، والبخاري (1/ 41/ 143).

Powered By smart vision

© 2015 Eesa Bin Almanee . All rights reserved.

Back to top