وقفة مع آية

2016/01/12

وقفة مع آية

قال الله سبحانه تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: 186].
في هذه الآية الكريمة يتجلى كرم الحق سبحانه وتعالى على عباده وأنه تعالى لا يرد سائلًا، ولكنه يدل السائل على أدب السؤال فيضع له ركنين أساسيين، هما: الاستجابة والإيمان.
فإذا تأملنا قليلًا نجد أن معنى الاستجابة واضحٌ وجلي في قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: 59] فتقدم طاعة الله تشريف، لأن طاعة الله لا تعرف إلا بتقدم طاعة الرسول فيما جاء به لقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: 24] ففي هذه الآية الكريمة تقدمت استجابة الله تشريفًا، وإلا فلا تعرف استجابة لله إلا بتقديم استجابة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، والداعي هنا للحياة هو رسول الله كما هو واضح في النسق القرآني لأنه  صلى الله عليه وآله وسلم صورة الحق في الخلق.
والحق سبحانه حينما يخاطب خلقه يخاطبهم بعبارة ميسرة مرتبة، يسمعها أهلها بحسب مقامهم، فسمع الظالمين يختلف عن سمع المقتصدين، وسماع الأبرار يختلف عن سماع الطبقتين السابقتين، وإلا فإن جميعها تتفق في أن الدعاء لا يكون بلا واسطةً أبدًا، شئنا أم أبينا.
وقوله: (أجيب دعوة الداعي) أي: هو سبحانه الداعي الحقيقي بالدعوة، ومعناه هو أن تفني نفسك، وتتخيل أن الداعي محمدًا، وأنك منوط فيه، فهذا معنى تراه، وهو مقام السابق والمقتصد، أما مقام الظالم نفسه فإنه: يراك أي: تتخلق بخلق الداعي فتتوسل به في الدعاء فتتشبه به في الدعاء.
وقوله: (فليستجيبوا لي) أي: استجيبوا للرسول إذا دعاكم لما يحييكم، والذي يحيينا هو ذكرالله والصلاة على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
في الآية الأولى قدم الاستجابه وفي الآية الثانية أخرها، وذلك لضرورة تقديم الواسطة للظالمين والمقتصدين وجوبًا لمن ألقى السمع وهو شهيد، وهم عموم المسلمين الذين تمثلوا بالآداب النبوية في الدعاء منيبين لله، فانطبع ذلك التخيل في مِرآة الوجود فحق على الحق أن يجيبه ممثلة في قول الحق سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 64] أولئك الذين توسلوا بالعبد المؤمن. أما الآية الثانية فمقام السابقين، أهل التمكين المستجيبين حقًا للرسول، وهم المؤمنون أهل اليقين، فقد قدم الحق لهم استجابة الله (وهو اليقين) فالذين رأوا الحقيقة المحمدية وشهدوها في حركاتهم وسكناتهم ولم يروا أنفسهم هم أولئك المؤمنون حقًا.
ولذا قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:119]
والمعنى هو: كن مع الصادقين تعرف تقوى الله، فتقوى الله تقدمت تشريفًا، وقد بيَّن الله سبحانه أن كينونة مرافقة الصادقين هي الأساس في معرفة التقوى، وهم المؤمنون حقًا الذين أصبحت الواسطة عندهم تخيلية واستشعارها يقيني، لأنهم شهدوا الداعي واليقين بالله الحقيقي، الذي يتمثل في مظهر الحق، وهو محمد صلى الله عليه وآله وسلم، أما المسلمون الجامعون للمقامين فالواسطة عندهم يقينية لفظية، والإيمان بها في تثبيت اليقين تخيلي استشعاري، والآيات في ذلك كثيرة يطول المقام في ذكرها.
ومن هنا علمنا أن الاستجابة هي الإكثار من ذكر الله، قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 41] و قوله سبحانه: ﴿اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ وقوله سبحانه: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف: 110]
فكل ما يقدم من أعمال برٍّ يقدم في حضرة الحق واسطة صالحة لنيل استجابة الحق.
وقد أخرج أبو نعيم في حلية الأولياء بسنده (10/302) قال: سمعت أبا سعيد عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب بن نصير الرازي، بنيسابور صاحب يوسف بن الحسين يقول: سمعت أبا العباس بن عطاء، يقول: «من ألزم نفسه آداب السنة غمر الله قلبه بنور المعرفة، ولا مقام أشرف من متابعة الحبيب في أوامره وأفعاله وأخلاقه والتأدب بآدابه قولًا وفعلًا ونية وعقدًا» والمعنى أنه من أدمن على الطاعة كعبادة الصلاة مثلًا مع تصور عظيم فضل الله عليه في ذلك أورثه الله نور الصلاة، وكذلك من ألزم نفسه وردًا يذكر به مولاه وهبه الله روحانية ذلك الذكر في الطلب من مولاه بنيل شفاءٍ أو تحقق رجاء مراد المخلوق من الخالق؛ لأن بين الخالق والمخلوق حجب نورانية عظيمة لا يقطعها إلا بالذكر عن طريقِ شيخٍ عارفٍ بالطريق لينجيه من المهالك كما قال ابن عاشر المالكي رحمه الله:

يصحب شيخًا عارف المسالك   يقيه في طريقه المهالك
يذكره الله إذا رآه   ويوصل العبد إلى مولاه
 

 

Powered By smart vision

© 2015 Eesa Bin Almanee . All rights reserved.

Back to top